يا لثارات كسرى ...! الإمبراطورية الحالمة بشروق شمسها ثانية


حيدر نواف المسعودي 

يحكى أن إحدى العشائر أحست بنوايا الغزو والتوسع من قبل جارتها العشيرة الأخرى ، فاجتمع رجال وأبناء هذه العشيرة وعقدوا مجلسا طارئا لإخبار رئيس عشيرتهم بنوايا العشيرة الجارة واخذ الاستعدادات لمواجهة غزو تلك العشيرة في حال وقوعه وبعد نقاش وجدال قال لهم رئيسهم :( يجوز الجماعة نواياهم طيبة ، وماداهم بعيدين عنا ماعلينه بيهم ) ، وبعد أيام حدث ما كان متوقعا فتحركت جيوش العشيرة الأخرى لغزو هذه العشيرة ، فاخبر رجال العشيرة رئيسهم بما جد من أمر ،فقال لهم : ( يجوز الجماعة نواياهم طيبة ، و مادامهم بعيدين ماعلينه منهم ) ، ثم اجتازت العشيرة الغازية حدود هذه العشيرة ، وعاد أبناء العشيرة لإخبار شيخهم بهذا العدوان ، فقال لهم: ( مادامهم بعيدين عن ديارنا ماعلينه بيهم )، ثم تقدمت العشيرة الغازية أكثر واحتلت بعض المواقع ومضارب العشيرة الحدودية فترك أصحاب هذه المضارب ديارهم ونزحوا نحو مركز العشيرة ، وهب رجال وأبناء العشيرة يحملون السلاح لرد الغزاة ، فأوقفهم الشيخ ، وقال لهم :( اصبروا ، مادامهم بعيدين عنا ماعليكم بيهم)، ثم تقدم الغزاة أكثر واحتلوا كامل ارض العشيرة ومضاربها ونهبوا وسرقوا المال والحلال وقتلوا النساء والأطفال وانتهكوا الحرمات والأعراض ، فانتفض رجال العشيرة وحملوا السلاح لقتال الغزاة ، واتجهوا نحو شيخهم وهو جالس في بيته ليروا رأيه في الأمر فاخبروه بما جرى من غزو وقتل وانتهاك ، فسألهم الشيخ ، وأين هم الآن ، فقالوا له : ( أنهم هنا عند باب دارك وقد انتهكوا حرماتك ونهبوا مالك وحلالك ، وانتهكوا حتى عرضك ، : (فقال لهم ماكو مشكلة مادام راسي سالم ) ...!
وهنا أود أن أرد على جميع الذين يتهمون الجارة إيران بالغزو واحتلال ( الفكه ) أن لا يستعجلوا الأمور فربما الجماعة نيتهم طيبة ، أو أنهم ( تيهوا الدرب ) ، أما من يتهم حكومتنا بأنها (مطنشة ) أو ( مغلسة ) فاعتقد انه واهم جدا في ذلك ، فحكومتنا عاقلة (وثكيلة ورزنة ) وتؤمن بالطرق السلمية والدبلوماسية في رد العدوان والاحتلال وان طال ذلك الاحتلال لسنوات ، وان فرض الجيران ذلك الاحتلال بالقوة وجعلوه أمر واقع لا يقبل الحوار ولا النقاش .
وأنا اعتقد الإيرانيين لا ينطلقون مطلقا من عقدة الثار من العرب عموما ومن العراق خصوصا ، لان العرب والعراقيين خصوصا قد هزموهم واسقطوا عرشهم وهيبتهم وسطوتهم في ذي قار أولا ( حيث كان أول يوم انتصف فيه العرب من العجم ) ، ثم في القادسية ثانيا ، حين سقطت إمبراطوريتهم على يد المسلمين وتهاوى طاق وعرش كسرى.
منذ ذلك التاريخ وجيراننا الإيرانيين أخوة الدين والمذهب يصدرون إلينا الحروب والمشاكل والموت وعدم الاستقرار.
إن الحديث عن احتلال الفكه حديث ذو شجون ويعود بنا إلى الجذور الأولى للمشكلة والعقدة الإيرانية تجاه جارها العراق ، وهي جذور تضرب بعيدا في عمق التاريخ حيث طبيعة بناء الشخصية والإمبراطورية الفارسية الغابرة.
وفي قراءة تاريخية يتبين لنا أننا قد نكون أنصفنا جيراننا الفرس حين أرجعنا عقدة الثار المتأصلة لديهم إلى الفترة القريبة قبل الإسلام ، فالحقد والتآمر الفارسي يمتد إلى ما قبل ذلك التاريخ بقرون كثيرة فمن المعروف تاريخيا أن الفرس قد تحالفوا مع اليهود وغزا كورش الفارسي بابل سنة 539 ق.م ، ثم غزو متريداتس الفرثي للعراق سنة 141 ق . م ، و استولى اردشير على العراق سنة 227 م ،وحرق سابور الأول مدينة الحضر سنة 250 م،وغدر الفرس بالنعمان بن المنذر واغتالوه في سنة 602 م.
• ((أما تآمر الفرس واعتداءاتهم ضد العرب و العراق قبل وبعد الإسلام كثيرة فهناك اغتيال عمر بن الخطاب على يد أبى فيروز لؤلؤة في 645 م ( 23هـ)،و مؤامرة أبو مسلم الخراساني على الخليفة المنصور في 759 م (137هـ) ،و مؤامرة البرامكة على الخليفة هارون الرشيد وسعيهم لهدم الدولة في 809 م ( 187 هـ ) ،الغزو البويهي للعراق في 945 م ( 334 هـ )، وتامرابن العلقمي ( الفارسي ) الذي راسل المغول محرضا إياهم على غزو بغداد في 1278 م ـ656 هـ)).
• ((احتلال الشاه إسماعيل الصفوي بغداد في 1508 م وطرده منها عام 1534 م ،وغزو الشاه إسماعيل للأهواز في 1510 م،و احتلال بغداد للمرة الثانية من قبل الفرس بقيادة الشاه طهماسب الأول بعد القضاء على ثورة ذو الفقار في 1530 م، واحتلال ديزفول وتستر الأحوازيتين من قبل الفرس وطردهم منها في 1588م،و استيلاء الفرس على ( مريوان ) في 1622 م،و احتلال الشاه عباس الأول الصفوي بغداد في 1623م، ومحاولة الشاه عباس احتلال البصرة في 1624 م ،وغزا الفرس العراق بقيادة نادر قلي باتجاه بغداد في 1733 م، وهاجم الفرس في زمن نادر شاه البصرة في 1735 م،وغزا نادر شاه بغداد والموصل في 1736 م، وهاجم الفرس البصرة في 1743 م،و قاد كريم خان محاولة لإخضاع عربستان ( الأحواز) في 1757 م، وتقدمت القوات الفارسية باتجاه قرية يارمجة و تفرض الحصار على مدينة الموصل كذلك بقيادة نادر شاه في 1743 م ، وقطع تجارة البصرة بفرض الحصار على الممر الملاحي لشط العرب في 1762 م، وهاجم الفرس عشائر كعب في الأحواز ( عربستان ) في 1765 م، ودخل كريم خان في هجوم مع الانكليز والعثمانيين ضد الأحواز ( عربستان ) في1765م،و هاجم كريم خان البصرة في 1775 م ، وحاول الفرس السيطرة على ( بانه ) في1777 م،وهاجم الفرس مدينة الزبير في 1778 م ،تدخلات فارسية في شؤون العراق الداخلية في 1805 م، هجوم فارسي على مندلي بقيادة محمد حسين ميرزا في 1822 م، تعرضت الفلاحية ( الأحوازية ) إلى ضغط فارسي لانتزاع اعتراف الشيخ بخيت بالخضوع لطهران في 1812 - 1828 م، الفرس يثيرون المشاكل في السليمانية في1832 م، استيلاء الفرس على زهاب في1834 م، هجوم فارسي على العراق و احتلال السليمانية في 1840 م، احتلال الفرس المحمرة ( المدينة الأحوازية ) والتهديد باحتلال الكويت والبحرين والادعاء بحقوق فارس في عربستان الأحواز والسليمانية ( المدينة العراقية )في 1841 م، وصول البسطامي إلى النجف الاشرف في العراق لنشر الدعوة البابية والبهائية هناك في 1844،هجوم فارسي على الأحواز ( عربستان ) واحتلال الفلاحية والمحمرة من قبل ( منوجهر خان ) 1840م، ثبتت فارس توسعها الجديد في الأحواز ( عربستان ) والعراق في معاهدة ارضروم الثانية في 1847م ،احتلال فارس للأحواز ودخول رضا خان الأحواز وإسقاط آخر الإمارات العربية فيها في 20 / 4 / 1925 م)).
• (( تجاوزات فارسية على المخافر الحدودية بشط العرب في 1969 م، عودة مشكلة الحدود على شكل صدام بين الجانبين العراقي والإيراني في شباط 1974 م، تدخلات إيرانية متكررة في شؤون العراق الداخلية ودعم الأكراد العراقيين ضد السلطة المركزية في بغداد في 1975 م، اعتداءات إيرانية على العراق وتصعيد العدوان الإيراني ليشمل كل الحدود العراقية البرية والمائية والجوية ويستمر حتى 22 أيلول 1980م)).
أن جيراننا الإيرانيين ينطلقون في اعتداءاتهم ومؤامراتهم ضد العراق والعرب بسبب مجموعة عقد كان في مقدمتها كما ذكرنا سابقا عقدة الحقد والثار من العرب والإسلام ،وكذلك حب التوسع على حساب الجيران ، فعقدة "الإمبراطورية الفارسية" التي تعاني منها إيران منذ حرب القادسية وصولاً إلى القرون الحديثة خلاصتها، أن إيران تحلم باستعادة مجد فارس، والأراضي التي فقدتها منذ القرن التاسع عشر، فهي تريد استعادة المقاطعات الغربية في باكستان (الحدود الشمالية الغربية وبلوشستان)، التي يتحدث غالبية سكانها من البشتون والبلوشيين اللغة الفارسية، و تتطلع إلى استعادة رقعة واسعة من منطقة القوقاز ضمتها الإمبراطورية الروسية خلال القرنين أل 18 والـ 19،وتتطلع إلى استعادة أراضي أذربيجان وأرمينيا.
كذلك يعتبر الإيرانيون أن جورجيا التي كانت محافظة فارسية في عهد الساسانيين يجب أن تعود إلى أحضانهم، أما العراق فهو أصلا جزء مما كان يسمى إيران الكبرى.



ج 2 

إما أهداف الإيرانيين من وراء هذه المؤامرات والاعتداءات ضد العراق والعرب على وجه التحديد فتتمثل في:
أولا :الهدف الديني :تشويه مبادئ الإسلام وهدمها بكل الوسائل، وإحياء حركات الغلو والزندقة منطلقين من مبادئ دياناتهم القديمة كالزردشتية والمانوية والمزدكية، وتصدير حركات مثل البابية والبهائية وغيرها، وإضفاء طابع تحريضي على طقوسهم الدينية من أجل التذكير بالفتن.
ثانيا :الهدف القومي : محاربة وطمس هوية وتاريخ الأمة العربية وإعلاء مكانة القومية الفارسية وإعادة إحياء الإمبراطورية الفارسية ، والعمل على إزالة كيانها وزعزعة ثقة أبنائها بإنجازاتها وتاريخها، واتخذ هذا البعد عدة أشكال كعمليات اغتيال الخلفاء، والحركات التي حاولت زعزعة كيان الدولة العربية كحركات الراوندية والمقنع وسنباذ وبابك الخرمي والأفشين، ومحاولات أبي مسلم الخراساني والبرامكة.
ثالثا:الهدف الحضاري والفكري: ويستهدف الانتقاص من الحضارة والثقافة العربية ودورهما الفكري، فعمل الفرس على الطعن بالعرب وحضارتهم وإحياء التراث الفارسي القديم والإشادة به وإظهاره بصورة متقدمة على التراث والحضارة العربية.
وقد اتسمت العلاقة مع الفرس بسمات بارزة طيلة العصور التاريخية وقد أثبتتها الوقائع والأحداث المستمرة بين العرب والفرس وابرز هذه السمات :
1. نقض المواثيق والعهود والاتفاقات: والتي من أمثلتها ، نقضهم تحالفهم مع الكلدانيين لكي
يندفعوا نحو بلاد ما بين النهرين وسورية، فكانت حملتهم المعروفة على بابل سنة 539 ق م، خيانتهم العهد مع ملك الحيرة النعمان ابن المنذر واغتياله، خيانتهم للدولة العربية العباسية من اجل إسقاطها وإقامة إمبراطوريتهم وتمثل ذلك في مؤامراتهم ، لنخر الدولة العباسية (أبو مسلم الخراساني البرامكة و البويهيون)، أودع العراق طائراته عام 1990، في إيران والتي رفضت تسليمها له بعد انتهاء حرب 1991، واعتبروها جزءا من تعويضات الحرب.
2. احتقار العرب والتعالي عليهم والاستهانة بهم: وهذه الصفة معروفة عن الفرس قديما وحديثا ، فهم لازالوا يعتبرون العرب قوما متخلفين لا يفقهون شيئا يعيشون في الصحراء ويركبون الإبل حتى الآن ولا يمتلكون حضارة ، وفي إحدى المرات سألني احد الإيرانيين قائلا : ( هل لديكم شوارع وسيارات ) .
ومن شواهد الاحتقار الفارسي للعرب ما امتلئت به مناهجهم الدراسية الحديثة من أفكار تحريضية ومسمومة ضد العرب ، ففي المرحلة الابتدائية، تضمن كتاب الاجتماعيات للصف الخامس الابتدائي الكثير من الإساءات إلى العرب. وجاء فيه أن الحركات التي ظهرت في إيران في العصر الإسلامي كانت تهدف جميعها إلى (تحرير الإيرانيين من العرب) وأن (أبا مسلم الخراساني) صمم على أن (يضع نهاية للخليفة العباسي ويريح الإيرانيين بصورة قطعية من سيطرة العرب).
وفي المرحلة المتوسطة ورد في كتاب التاريخ للسنة الأولى ( في مدة قصيرة استطاع العرب الجياع أن يقضوا على القوى العظيمة الإيرانية والرومية)، وإمعانا في إثارة الفرس ضد العرب ذكر مؤلفو الكتاب (أن العرب الحفاة الضائعين استطاعوا أن يتغلبوا على الجيش الإيراني العظيم والمنظم وذلك في معارك القادسية وجلولاء ونهاوند).
أما هذه الأبيات من قصيدة لمهيار الديلمي فهي مثال صارخ على التعالي والغرور الفارسي،مفتخرا بفارسيته وأصوله القومية مقدما اياها على الفخر بإسلامه فيقول:

قومي استولوا على الدهر فتىً.... ومشوا فوق رؤوس الحُقُبِ
عمموا بالشمس هاماتهمو ...... وبنوا أبياتهم بالشهبِ
وأبي كسرى على إيوانه ...... أين في الناس أبٌ مثل أبي؟
قد قبست المجد عن خير أبٍ ... وقبست الدين عن خير نبي
فضممت المجد من أطرافه ..... سؤدد الفرسِ ودين العربِ!

إما الشاعر بشار بن برد(الفارسي) فقد مثّل قمة الصراع الإسلامي العربي ـ الفارسي، وهذا الصراع اختصره ببيتين من الشعر يوم كان الإسلام والعرب والخلافة في عز عزّهم، قال بشار:

إبليس أفضل من أبيكم آدم......فتنبهوا يا معشر الفجّار
النارُ عنصره وآدم طينةٌ....... والطينُ لا يسمو سموّ النار.

بعد هذه القراءة التاريخية في حقيقة الصراع العربي الفارسي عموما والفارسي العراقي خصوصا ، نفهم جيدا تداعيات وأسباب الدور الإيراني المرير والمؤذي في المنطقة عموما وفي العراق خصوصا.
فلا احد ينكر دور إيران في العراق وفي لبنان وفي فلسطين وفي السودان وفي أفغانستان ومن قبل في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وفي اليمن مؤخرا ، هذا الدور المتمثل في إشعال الصراعات الداخلية في هذه الدول صراعات طائفية ومذهبية أو صراعات ضد السلطة أو بين القوى والأحزاب في هذه الدول هذا من جهة ، أو تأجيج الصراعات والخلافات الخارجية بين هذه الدول بين الدولة وجاراتها أو بين دولة ودولة كما حدث في الصراع والخلاف بين سوريا ولبنان بسبب الدور الإيراني في لبنان وتحريضها لسوريا وحزب الله ضد حكومة وأحزاب لبنان وإشعال الحرب بين حزب الله وإسرائيل وما سببه من دمار للبنان.
ولعل ابرز وأسوأ هذه الأدوار هو الدور الإيراني في العراق والذي تمثل بعدة أشكال منها:
1. دعم المليشيات وتسلحيها ودعم عصابات الجريمة والقتل والتجسس .
2. دعم عدد من القوى والأحزاب والشخصيات السياسية الموالية لها مباشرة، والسيطرة على الحكم ومركز صناعة القرار السياسي وتنفيذ أجندتها السياسية وتامين مصالحها وفرض هيمنتها في العراق بواسطة هذه القوى والشخصيات.
3. إثارة الفتن والخلافات المذهبية والصراعات السياسية والحزبية وكذلك القومية وإشعال القتال بشكل مستمر وإبقاء البلد في دوامة اقتتال واحتراب دائم .
4. الاحتلال غير المباشر للعراق بواسطة شبكات التجسس والمخابرات والقوى والشخصيات العميلة وتمكينها من الهيمنة والنفوذ والانتشار في مختلف مدن العراق وفي اخطر وأكثر مفاصل السلطة والدولة تأثيرا وحساسية.
5. تصدير الفساد والمخدرات وإغراق المجتمع والشباب العراقي بهذه الأمراض.
6. احتكار السوق العراقية وجعلها سوقا لتصريف البضاعة والمنتجات الإيرانية الرديئة بدءا بالمنتجات البلاستيكية والغذائية وانتهاء بالسيارات.
7. تخريب بنى العراق من اقتصادية وبيئية ، بدء بتفكيك الكثير من البنى الصناعية والمعامل والأسلحة ومحركات الطائرات وتهريبها إلى إيران ، ثم إغلاق المياه عن العراق ، وإلقاء نفايات المصانع في شط العرب ، وأخيرا اغتصاب حقل الفكه النفطي .
8. الاعتداءات العسكرية المباشرة على الحدود والمدن الحدودية عن طريق الاحتلال العسكري المباشر تارة كما في الفكه ، أو عن طريق القصف المدفعي المتكرر للمناطق الحدودية.

أما ادوار إيران الأخرى في المنطقة فهي لا تحتاج إلى الكثير من الأحاديث فدورها في فلسطين واضح ولاسيما في تأجيج الصراع والخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني والتسبب بانقسام الصف الفلسطيني ولاسيما بين حركتي فتح وحماس ، ودعمها المباشر لحماس من اجل دفعها إلى الانقلاب على السلطة الفلسطينية وتمزيق فلسطين واستيلاء حماس على غزة وعزلها عن باقي الأرض الفلسطينية ، بالمناسبة فان حماس قد دعت قبل سنوات ما يسمى بالمقاومة العراقية إلى تفجير أنابيب النفط وحرق النفط العراقي لكي لا يستفيد منها الاحتلال الأمريكي وعبر بيانا أصدرته الحركة بهذا الخصوص .
إما دورها في لبنان فهو دعمها المباشر إلى حزب الله لبنان من اجل مقاومة إسرائيل كما هو معلن ، ولكنها حقيقة فإنها تدعم حزب الله وتحرضه من اجل الخروج على السلطة اللبنانية ليتحول إلى ميليشيا وسلطة داخل السلطة حتى أصبح يحتل الجنوب اللبناني ويستعصي على السلطة اللبنانية و، وهذا الدعم بالشراكة مع سوريا وهو احد الأسباب التي دفعت لبنان إلى طرد سوريا من أراضيه نتيجة التدخل السوري السافر في الشؤون اللبنانية والتسبب بتأجيج الصراعات الداخلية وزعزعة الأمن والاستقرار اللبناني وبمشاركة إيران كذلك في هذا الدور ، وبدليل التفجيرات والاغتيالات السياسية التي عمت لبنان ، ثم تحريض إيران لحزب الله على ضرب إسرائيل وإشعال الحرب معها في تموز 2007 والتي سببت دمارا كبيرا للبنان ، وكانت إحدى أسباب تراجع شعبية ومكانة حزب الله بين اللبنانيين وارفضهم واحتجاجهم على حزب الله ، محملين إياه سبب تلك الحرب ونتائجها المريرة ، رافضين أن ينفرد حزب الله بتقرير مصير لبنان وإشعال الحرب وقتما شاء ، وهناك محاولات لبنانية ودولية إلى نزع سلاح حزب الله بعد أن اعتبر ميليشيا .
أما آخر ادوار إيران في تأجيج الصراعات والخلافات الداخلية للدول العربية فهو تأجيجها الأخير للصراع بين الحوثيين والسلطة اليمنية ودعمها للحوثيين بالمال والسلاح من اجل إشعال نار الحرب بينهم وبين السلطة لتقف موقف المتفرج وليدفع الحوثيين الثمن دمائهم وأرواحهم ومدنهم وعوائلهم ، كل ذلك بدعوى أن إيران تريد دعم الشيعة هناك ، بينما تسهم في ذبحهم والقضاء عليهم والتفرج على دمائهم المستباحة ، كما تفعل في العراق وهي تدعم المليشيات والمسلحين والإرهابيين من اجل الاقتتال الداخلي والتفرج على العراقيين مذبحين ، إشباعا لنزوة إيران في الثار واستعادة أمجاد فارس وحكم كسرواتها وشاهنشاهاتها الزائل .


ج 3 :

وهنا يحضرني سؤال ، إذا كانت إيران حريصة ومحبة للشيعة في كل العالم وتقدم لهم الدعم والمال والسلاح من اجل الخلاص والتحرر من ظلم واستبداد وقهر السلطات الجائرة والظالمة وحكم الطواغيت المستبدين ومن اجل رفع الحيف والظلم عن المستضعفين والفقراء في العالم ، فلماذا تقوم هي بذبح وإعدام وقتل أبناء شعبها من الشيعة وفي الشوارع وأمام أنظار الجميع؟ ولماذا تملا السجون بالمعارضين والمحتجين وتمارس بحقهم أسوأ أنواع التعذيب والقمع إلى حد اغتصاب النساء ؟ لماذا تعتقل الجميع نساء ورجالا وشباب وطلبة وأساتذة ومثقفين وحتى رجال دين ومعممين وتعدمهم أو تحكمهم بالسجن المؤبد وبأقسى الأحكام والعقوبات دون محاكمة أو بمحاكمات صورية لا يقبلها الشرع ولا الإنسانية ، لماذا تقوم بإعدام معارضيها من القوميات الأخرى كالعرب أو الأكراد ومن الطوائف والأديان الأخرى لمجرد أنهم عبروا عن رأيهم واحتجاجهم ورفضهم لقهر وظلم سلطة المعممين ؟ فأي جمهورية إسلامية هذه وأي شرع الهي هذا وأي ولاية فقيه هذه وأي حكومة شيعية تلك التي تمارس سلطة القمع والقهر لا تمارس مثلها حتى أكثر السلطات العلمانية ؟
إن حكومة علي (ع) لم تعتقل ولم تعدم ولم تقمع ولم تعذب ولم ترهب ولم تملا السجون بالمعارضين ، بل ولا حتى اؤلئك الذين أعلنوا الحرب على علي (ع) وعلى حكومته ، ولم تفرق بين عربي ولا أعجمي ولا بين سني أو شيعي ، علي كان يحترم الرأي والرأي المعارض ويحترم حريات وحقوق الإنسان وكرامته وشرفه ، فيروى انه في إحدى المرات ، كان عليه السلام يعتلي المنبر خاطبا فمر يهودي في تلك الأثناء واستمع لكلمات الإمام(ع) وأعجب بها ، فأراد التعبير عن إعجابه بأمير المؤمنين (ع) على اعتبار أن الإمام مسلم فهو في عرفه كافر لأنه غير يهودي ، فقال عن أمير المؤمنين : ( كافر ما افقهه ) ، فلما سمعه أصحاب الإمام وثبوا نحوه بسيوفهم لقتله لسبه الإمام (ع) ، فمنعهم الإمام ، وقال لهم : ( إما انه أصاب فنشكره ، وإما انه اخطأ فنقومه ) ، هذه الحرية التي امن وعمل بها ودعا إليها أمير المؤمنين.
لست اقصد من وراء ما تقدم كله إلى إثارة الحقد والضغائن على ايران ولكن التنبيه إلى واقع مرير نعيشه وندفع ثمنه ونتحمل تبعاته ألا وهو إن إيران جارتنا ، وهي السبب في معظم ما نعانيه من أزمات وصراعات وحروب .
وهنا أود إن أسال وعي وعقل كل قارئ وأود أن يجيب على نفسه بصراحة وموضوعية ، منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران في عام 1979م وحتى اليوم ترفع إيران شعارات العداء والكره ومقاومة أمريكا وإسرائيل والشيطان الأكبر وإسقاط قوى الاستكبار ، وتحيي في كل عام يوم القدس ...الخ، والسؤال هل أن إيران أطلقت رصاصة واحدة ضد أمريكا أو إسرائيل، هل أطلقت طائرة ضد إسرائيل، أو طلقة مدفع أو صاروخ واحدا من صواريخها العابرة ؟منذ 1979 منذ قيام الجمهورية الإسلامية لم اسمع أو أرى شيئا مما قلت ؟ إذن من الذي يقاتل أمريكا وإسرائيل مباشرة من الذي يقدم التضحيات والدماء والشهداء من الذي تدمر وتحرق بلدانه ومدنه وتباد شعوبه وأطفاله ونسائه وشيوخه من الذي يعيش تحت نيران الطائرات والمدافع والدبابات والصواريخ ومطر الرصاص منذ 1948 حتى الآن ؟ إن من يدفع كل ذلك الثمن والدماء والتضحيات الشعوب العربية، شعب فلسطين ولبنان وسوريا والعراق ومصر والأردن، وحدهم العرب خاضوا الحروب ضد أمريكا وإسرائيل في حرب 1948 و1967 و1973 و1982...الخ، فهل سمعتم عن معركة إيرانية واحدة ضد أمريكا أو إسرائيل من اجل نصرة فلسطين أو من اجل نصرة الإسلام و المسلمين في العالم أو من اجل الشيعة خصوصا، وهل سمعتم عن شهيد إيراني أو دم إيراني على ارض فلسطين ؟ أم أن الدم الإيراني أزكى وأنبل وارفع من أن يبذل في سبيل مسلم عربي أو غير  عربي؟ ودماء العرب وحدها الرخيصة وتستحق الهدر يوميا على يد أمريكا وإسرائيل ؟
إن كل ما في الأمر أن إيران تريد جعل فلسطين وسوريا ولبنان وغيرهم من الدول العربية ساحة الحرب المتقدمة لتبعد الخطر الأمريكي والإسرائيلي عن أراضيها وشعبها ، تريد جعل الشعوب والدماء العربية وقود معركتها ضد أمريكا وإسرائيل وتريد إبقاء أمريكا وإسرائيل منشغلتين في الصراع في فلسطين والعراق ولبنان لتبقى هي في مأمن وبعيدة عن خطرهما ، تريد من العرب أن يقاتلوا بالنيابة عنها ، وجعل البلدان العربية ساحة لتصفية حساباتها وخلافاتها مع أعدائها الآخرين.
إن إيران تريد إبقاءنا في دوامة مستمرة من الحروب والصراع والتخلف والجهل ، لتبني هي دولتها العصرية والقوية والمتقدمة لتتمكن من التوسع وابتلاع الجميع ، وهي تريد تامين مصالحها وثرواتها وتريد السيطرة على نفط وثروات وإمكانات المنطقة من معادن ونفط وثروات ومنافذ مائية ، فأصبحت تمنع عنا حتى المياه والثروات السمكية وتقضي على زراعتنا وثرواتنا الحيوانية لتحولنا إلى مستوردين ومستهلكين لكل ما هو إيراني .
ما الذي قدمته إيران للشعوب المسلمة والعربية أو للشيعة خصوصا ، غير تصدير الثورة والأزمات والمشاكل والصراعات والحروب ، إنها تصارع العالم من اجل تطوير بنيتها العلمية والتكنولوجية والصناعية ، فهاهي تتطور في مجال الصناعات العسكرية والمجال النووي وصناعة السيارات وكافة الصناعة الإنتاجية وحتى الصناعات الالكترونية والرقمية ، في مقابل أنها تصدر إلينا نحن الشيعة مثلا ( القامات للتطبير والزناجيل واللطم ) ، (والمخدرات والمتعة ) ، ( والبدع الفكرية والاجتماعية والثقافية التخريبية ) ، فأين مشاريعها العلمية أو الصناعية أو الخدمية التي صدرتها للعرب أو المسلمين أو الشيعة ؟ ماعدا تصدير الأسلحة والعبوات ومجاميع القتل والتخريب  والدمار .
أخيرا فان احتلال بئر الفكه النفطي في كانون الأول من عام 2010م ورفع العلم الإيراني فوقه، ورغم قول البعض إن الرقعة الجغرافية للحادثة قد لا تستدعي كل ذلك أو قول البعض بعض بتضخيم الحدث إلى حجم اكبر من مدياته الطبيعية ، وهو قول الحكومة للدفاع عن موقفها الضعيف من الحادث، وقول القوى والأحزاب والشخصيات الموالية والمدافعة عن إيران وسياساتها ومصالحها في العراق، أمثال القائل بأننا ننتظر من إيران أن تنسحب أو ذلك القائل بأننا سنحل المشكلة بعلاقاتنا الشخصية، أو ذلك القائل بالعودة إلى اتفاق1972م ، والذي يجعل البئر شراكة بين العراق وإيران وان 40% من النتاج يذهب إلى إيران و60% للعراق، فهو حريص على عدم الإضرار بمصالح حلفائه الإيرانيين.
إما حادثة الاحتلال فهي مجرد مشهد مجتزأ من السيناريو الإيراني الذي بدء في العراق بعد 2003 والذي يسعى إلى الهيمنة والتوسع على العراق والمنطقة بعد انهيار الدولة العراقية ومنظمتها العسكرية والتسليحية وانتفاء تهديداتها لإيران ، وتحقيق نصر أو ثار سياسي بعد هزيمة حرب الأعوام الثمانية ، وهذا السيناريو نفسه هو جزء من حلم إيراني اكبر بإعادة إحياء إمبراطورية فارس الكبرى ، وعودة شروق الشمس فوق عرش وطاق كسرى في المدائن ، هذه الشمس التي أراد الإيرانيون أن تبدأ إشراقها من فوق ارض الفكه في ميسان على الحدود الشرقية التي شهد ترابها معركة كانت هي (أول يوم انتصف فيها العرب من العجم ) بحسب حديث رسول الله (ص)، ومعركة القادسية التي أطاحت بإمبراطورية فارس وعرش كسرى .
لقد أراد الإيرانيون من احتلال الفكه أن تكون عملية لجس نبض وردة فعل الحكومة العراقية اتجاه الحدث لتكون الفكه بوابة الطريق نحو ما هو ابعد من ذلك في تحقيق حلم إيران في احتلال العراق ، ودعونا لا ننسى تصريحات قادة إيران وجنرالاتهم العسكريين حين عبروا صراحة عن نواياهم التوسعية في العراق حين قالوا بالنص : ( أن القوات الإيرانية على استعداد لملء الفراغ العسكري في حال انسحاب القوات الأميركية من العراق ) وهذا تصريح صريح لا يحتاج مطلقا إلى تحليل أو تفسير أو قول ( احمل أخاك المؤمن سبعين محملا ).
وللأسف الشديد تحقق لإيران ما أرادته من جس نبض واختبار لرد فعل الحكومة العراقية الذي لا يمكننا وصفه إلا بوصف (اللا موقف ) ، وكذلك الموقف السياسي والحزبي وكان الجميع في العراق حكومة وأحزاب وقوى يخشون إيران والمساس بها ، وفي مقدمتهم الحكومة التي تقف موقف المتفرج والعاجز وعلى حياء ولم تحرك ساكنا ولا جنديا واحدا لردع إيران لا بالقول أو الفعل وكان الأمر لا يعنيها مطلقا وان الأرض التي احتلت ليست عراقية ، وهو ما يدعو إلى التساؤل ، أن حكومة بهذا الضعف لم تستطع الدفاع عن بقعة ارض حدودية صغيرة وبئر نفطي ، فهل إنها سوف تستطيع حماية البلاد والشعب والدفاع عنه وعن مصالحه وكرامته وشرفه أمام أي اعتداء مستقبلي ، هذا الموقف الحكومي دفع إيران إلى التمادي أكثر فضاعفت تواجدها العسكري وجهدها الهندسي وفرضت الأمر الواقع من اجل الإمساك بالأرض وتحقيق مكاسب مستقبلية اكبر .
أخيرا هل لاحتلال إيران للفكه علاقة بالصراع الانتخابي المتصاعد والمتوتر ولاسيما بين الائتلافين العملاقين (الوطني العراقي بزعامة المجلس الأعلى ) و(دولة القانون بزعامة حزب الدعوة)؟
الجواب ، نعم ، فهي عقوبة للمالكي الذي خرج عن طوع الائتلاف العراقي الموحد ، وقبل ذلك لخروجه عن إرادة إيران التي تريد الإبقاء على هذا الائتلاف بأي ثمن كان لأنه ذراعها السياسية والعسكرية وهو حارسها الأمين على مصالحها في العراق ، فبعد التفجيرات الدامية التي أريد منها إسقاط كذبة الاستقرار الأمني والذي كان الانجاز الوحيد لحكومة المالكي واتضح فيما بعد انه انجاز وهمي ومنجز هش ، وبعد الاستجوابات السياسية الصورية لوزراء حكومة المالكي والتي أجلت طويلا لتستخدم الآن كورقة سياسية ودعائية لإسقاط حكومته ، جاءت (القشة التي قصمت ظهر المالكي وحكومته )، باحتلال الفكه ووقوف الحكومة موقف المتفرج بلا حول ولا قوة على الردع أو حتى الاستنكار .
وتحقيقا للهدف السياسي من وراء هذا الاحتلال فانه قد تلجا إيران إلى سيناريو أكثر حنكة ألا وهو الانسحاب من الفكه بوساطة من المجلس الأعلى مثلا أو قياداته ، أو الائتلاف العراقي الموحد ليكون ذلك منجزا أخر لتلميع صورة المجلس وائتلافه الموحد .
وقد أشار احد قيادات الدعوة في تصريح مؤخرا إلى مثل هذا المعنى حين قال : ( نمتلك علاقات شخصية لحل قضية الفكه ) فربما قد يضطر المالكي كحل أخير ومن اجل الحفاظ على شيء من هيبة وماء وجه حكومته إلى توسيط المجلس وقياداته للضغط على إيران للانسحاب من الفكه ، وهو ما يريده المجلس وعين الهدف الذي يسعى إليه ليصبح انجازا لمصلحة المجلس وقياداته وائتلافهم وليسجل لهم أنهم استطاعوا التوسط لإقناع إيران بالانسحاب من الفكه.
وعود على بدء أقول إن إيران لن تستطيع أبدا استعادة مجد فارس المندثر ، ولن تشرق الشمس فوق إمبراطوريتها الغابرة ثانية من ارض الفكه أو البصرة أو ذي قار أو القادسية أو بغداد مطلقا .

Post a Comment

أحدث أقدم